من ركام الصمت إلى مرافئ الضياء

في محراب الوجود.. حيث تتداخل ظلال الروح مع شفق الحنين.. تقف النفس مبهورة أمام جلال الكلمة التي تنبثق من عمق الجرح لتضيء عتمة المسافات.

إننا لا نكتب لنسلي الوقت.. بل نكتب لنرمم ما تهدم من قلاع أحلامنا.. ولنعلن أن خلف كل صمت حكاية.. وخلف كل ليلٍ دفتراً من الاعترافات التي لا تقرؤها إلا النجوم.

عن الصمت والليل.. ودفاتر الاعتراف السرية

لقد أرهقتنا الحياة بضجيجها العقيم حتى استكنّا إلى الصمت.. ذلك الملاذ الذي غدا لغتنا الوحيدة والأكثر بلاغة. وحين يحلّ السكون.. ينفتح الليل بوصفه ”دفتر اعترافاتنا السري“.. فتنسال الكلمات دموعاً بيضاء على صفحات الأيام. وبمجرد أن تلامس رؤوسنا الوسائد.. لا نجد النوم.. بل نجد أنين أرواحنا يخرج خافتاً مهيباً.. كاستغاثة طائرٍ جريح يطلب هدنة من صراعاتٍ لم يخترها.. ومن خيباتٍ لم تكسر فينا الأجنحة فحسب.. بل كسرت فينا ”التوقع الجميل“.

لقد سرق الانتظار أعمارنا ونحن نقف على أرصفة الأمل.. نمشي الطرق الطويلة بظهورٍ محنية تحت وطأة القوة الزائفة.. ندّعي التماسك بينما قلوبنا تهتز مع كل ريح عابرة.

الحب.. سرابٌ أم يقين؟

وحتى الحب.. ذلك النور الذي كان وعداً دافئاً بلقاء لا ينتهي.. أضحى اليوم كسرابٍ يلمع في صحراء الروح.. نركض نحوه بما تبقى لنا من نبض.. لاهثين خلف وهمٍ قد يكون حقيقة.. أو حقيقة قد تكون محض وهمٍ نتشبث به فراراً من وحشة الفراغ. نتساءل في انكسار.. هل هو الفرح المؤجل؟ أم هو الدرس الأخير الذي يعلمنا كيف نمضي وحيدين؟

لقد نال منا التعب.. وأعيانا الشك.. أنهكتنا الأقنعة التي نرتديها لنبدو ”بخير“. لكن.. وفي أعمق نقطة من هذا الانكسار.. يبرز ذاك الشيء العنيد.. ذلك الفتيل الصغير الذي يرتجف في مهب العواصف لكنه يأبى الانطفاء. إنه الإيمان الأزلي بأن الضوء لا يغيب إلا ليشرق من جديد.

عند سدرة المنتهى.. حيث يغسل الفجر الندوب

وعند سدرة المنتهى من هذا الصبر.. سيأتي الفجر لا محالة.. يمتطي سحائب النور ليغسل ببرد عفوِهِ ندوب القلوب. حينها.. ستنحلّ عقدة اللسان.. وتتوقف الأرواح عن الأنين.. لتسمع هاتفاً سماوياً ينادي..

يا أيتها الروح الوادعة.. انتهى زمن الانتظار.. لقد حان أوان الدفء.. واستحققتِ أن يستريح نبضكِ في واحات السكينة الأبدية. "

فلا خيبة بعد اليوم.. ولا ليل يشقى به المسافرون.. بل هو الخلود في غمرة الضياء.. حيث تُزهر جراحنا ياسمينًا.. وتتحول دمعاتنا السالفة إلى لآلئ تزيّن جيد الذاكرة. هناك.. خلف حدود الوقت.. ستلتقي الأرواح بمن أضناها الشوقُ إليهم.. وتتعانق الأحلام التي ظنناها يومًا قد تبخرت في يباب التعب.

مخاض الليل وصقل الوجع

لقد كان الليلُ مخاضًا.. وكان الوجعُ صقلًا لمعدننا النفيس.. والآن آن للغريب أن يعود إلى دياره.. وللطير المهاجر أن يستقر في عشه الأخير. فسلامٌ على تلك القلوب التي لم يكسر اليأسُ كبرياءها.. وطوبى لكل روحٍ آمنت بالدفء وهي في عزّ صقيعها.

فقد أشرقت شمسُ الوعد.. وانطوت صفحة العناء.. وبقي وجهُ الحبّ وجهًا لوجهٍ مع تجليات النور.. بلا حجابٍ من خوف ولا ساترٍ من حزن. هناك.. تنهمر السكينةُ كأنهارٍ من عسلٍ مصفى.. تُغرق في أعماقها بقايا الضيق.. وتُحيي فينا ما أماته جفاء السنين. سننظر إلى الوراء.. إلى كل ذاك التعب.. فلا نراه إلا سحابةً عابرة زادتنا رسوخاً في الأرض وعلوّاً في السماء.

الارتواء الأخير: حين يغدو الحب وطناً

فيا قلبُ.. نم قرير العين.. فقد فُتحت أبوابُ الفردوسِ الروحيّ.. وانتهت رحلة التيه. هاهي الحياةُ تخلعُ عنك ثوب الشقاء لتُلبسك إكليلاً من الرضا الأبدي.. حيث لا ليلَ يطول.. ولا فجرَ يغيب.. ولا سرابَ يخدعُ العطشى.. بل هو الارتواء الأخير.. والأمان الذي لا يعقبه خوف.

في رحابِ عشقٍ لا ينتهي.. ووعدٍ صادقٍ ظلّ محفوراً في غيب الأقدار حتى تجلّى يقيناً يغمر الوجدان.. فاستحالت الصبابةُ وصلاً.. والندوبُ أوسمةً من فخر. هناك.. حيث تذوب المسافات وتتحد الأنفاس بملكوت الصفاء.. ندركُ أن كل غصةٍ تجرعناها كانت ثمنًا لهذا العناق الأسطوري.. وأن كل دربٍ مشيناه وحيدين كان يقودنا دون أن ندري إلى حيثُ يغدو الحبُّ هو الوطن.. والوفاءُ هو النشيد.. والسكينةُ هي القرار.

خلود لا يعرف الأفول

لقد جفّت الأقلامُ عن كتابة الأحزان.. وبقي قلبك نابضاً بالحياة في حضرة خلودٍ لا يعرف الأفول.. ولا يطرق بابه زوال. خلودٌ يمتدّ بامتداد الأحلام الطاهرة.. ويسمو فوق عاديات الزمن.. حيث تغدو الروح في سعةٍ من أمرها.. تنعمُ بفيضٍ من السكينة التي لا يشوبها كدر.. وتستظلّ بظلالِ طمأنينةٍ غُرست جذورها في أزل الصبر.. وأينعت ثمارها في أبد المسرة.

هناك.. حيثُ تلتئم جراح السنين بلمسةٍ من حنانٍ إلهي.. وتستقرُّ سفننا المنهكة على شواطئ من لؤلؤ ومرجان.. فننسى طعم المرارة.. ولا يبقى فينا إلا عطرُ الذكرى.. وجمالُ العودة.. ونورُ الحقيقة الذي لا ينطفئ أبداً.

رئيس مجلس إدارة نادي الإبتسام بأم الحمام