كيف تستمر المشاريع... وتنمو بوعي
ليست المشكلة أن تبدأ مشروعاً، فالبدايات بطبيعتها سهلة وممكنه، يُغديها الحماس، وتزيّنها نشوة الإمكان، تلك الحالة التي تُوهم صاحبها بأن الطريق ممهد، وقريب المنال، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يصطدم المشروع بواقع السوق، وتُختبر الفكرة في رحم التنفيذ، وتظهر الفجوة بين التوقع والواقع.
وفي حديثنا عن المشاريع، وقفنا أمام مشهدين متناقضين في الظاهر...، متشابهين في المصير: مشاريع تبدأ بقوة... ثم تختفي، وأُخرى تستمر... لكنها لا تتقدّم، فإذا كان الأول قد كشف وهم البداية، فالثاني فضح زيف الاستمرار «كما بيّنا» فإن هذا المقال لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى تفكيكها بحثاً عن الحقيقة التي تصنع الفارق، بين مشروعٍ يبقى، وآخر يتقدّم ليصنع أثره في السوق.
وهُنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لمشروعٍٍ ما أن يتجاوز هذين المصيرين، فلا يختفي بعد البداية... ولا يكتفي بالبقاء، بل يتقدّم ويتجدّد ويستمر في السوق؟
عند التأمل في تجارب الأعمال، واستقراء ما طرحته الدراسات في كُتب الإدارة والتسويق، وريادة الأعمال يتضح لي أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه معظم المشاريع، لا يكمن في البداية، ولا في مجرد الاستمرار، بل في قدرتها على الانتقال من مرحلة الحماس إلى مرحلة النظام، ومن الاعتماد على الفكرة إلى بناء نموذج عمل قادر على التكيّف مع السوق.
ولعل تجربة شركة نتفليكس الأمريكية تجسيداً حياً لهذه المعادلة، إذ لم تكتفِ بالبقاء في السوق كنموذج لتأجير الأقراص، بل أعادت تشكيل نفسها نحو البث الرقمي، ثم نحو صناعة المحتوى، فحافظت على استقرارها... دون أن تتخلى عن قدرتها على التجدّد.
وعلى النقيض، نجد نماذج كثيرة نجحت في بدايتها ثم اختفت، لأنها تمسكت بصيغتها أو بفكرتها الأولى، رغم تغيّر السوق، فكان ثباتها سبباً في تراجعها، كشركة كوداك ونوكيا.
الفجوات الخفية التي ُتسقط المشاريع
حين نمعن النظر في هذه النماذج، بين مشروعٍ أعاد تشكيل نفسه فبقي، وآخر تمسّك بصيغته فاختفى، يقودنا تأملنا إلى حقيقة أكثر عمقاً وهي: أن سقوط المشاريع لا يحدث فجأة، ولا يأتي غالباً نتيجة قرارٍ واحد خاطئ بل يبدأ من فجوات، خفيّة تتسع تدريجياً بين المشروع وسوقه، وبين طموحه وقدرته، وبين نجاحه واستمراريته حتى يجد نفسه وقد انزلق من مسارٍ إلى آخر، دون أن ينتبه، وهذه الفجوات وإن اختلفت صورها واشكالها، إلا أنها تتكرر في معظم التجارب والأعمال، ويمكن تلخيص أبرزها في ثلاث فجوات رئيسية.
أولاً: فجوة سوء فهم السوق
قد ينجح المشروع في صنع منتج براق، وبألوان جذابة ومتفوقة، ولكنه يفشل في أن يُلامس احتياجات العميل الحقيقية، أو لا يُقدّم له تلك القيمة التي تدفعه للعودة إلية مرة أخرى، فتبدأ مرحلة الاستنزاف الصامت، وهنا يتحوّل التسويق من جسر يصل المنتج بالناس... إلى عبء يُحاول جرّ الناس نحوه، فتصبح الجهود مضاعفة والعروض متكررة، والإقناع مستمر، وكأن المشروع يُقاوم السوق بدلاً من أن يكون هو جاذباً لهم.
وهذه الفجوة لا تقتصر فقط على عالم الأعمال، بل نراها في حياتنا اليومية، فكم من مديرٍ يجتهد في وضع الخطط وتوزيع المهام، لكنه لا يُدرك ما يحتاجه فريقه من دعمٍ وتوجيه، فيزداد الضغط... وتقلّ النتائج، رغم كثرة الجهد المبذول، وكم من شركةٍ تُنفق بسخاء على تحسين منتجاتها، بينما العميل لا يبحث عن مزيدٍ من الخصائص... بل عن حلٍ أبسط لمشكلته، مما يدلل على أن المشكلة ليست في العطاء وحده.. بل في فهم الحاجة.
ثانياً: فجوة التوسّع قبل النضج
عندما يحقق المشروع نجاحاً أولياً، يظن صاحبه أنه قد تجاوز مرحلة الخطر، فيتوسع دون أن يتأكد من تماسك أساسه، فيحدث ما يشبه التضخّم غير الصحي ”نموّ في الحجم.. دون النموّ في العمق“ فتكبر المساحة، وتكثر الفروع، وعدد الزوار، والمنتجات و...، بينما الجذور لم تكتمل بعد.
وهذا ما يتكرر في حياتنا اليومية، فكم من مشروعٍ صغيرٍ بدأ يحقق تدفقاً نقدياً محدوداً، فاندفع صاحبه إلى فتح فروع جديدة، أو مضاعفة التكاليف التشغيلية، قبل أن يرسّخ نموذج عمله، أو يفهم دورة الطلب بشكل كافٍ، فيتحول التوسع من فرصة للنمو.. إلى عبء يُسرّع الانهيار، وكأن المشروع قد ارتدى حجماً أكبر من قدرته على الاحتمال.
ثالثاً: فجوة غياب التجديد الاستراتيجي
حيث لا يفشل المشروع، ولا يتراجع بشكل واضح.. بل يبقى كما هو: يعمل، يبيع، يتحرك... لكنه لا يتطوّر، وهذا ما أشرنا إليه في المقال سابقاً ب ”الاستمرار غير المنتج“ ويُقابله في الواقع الاجتماعي من يحقق إنجازاً في مرحلة من حياته، ثم يتكئ عليها لسنوات طويلة، وكأنه بلغ خط النهاية... بينما هو في الحقيقة قد توقف في منتصف الطريق.
ما الذي تفعله المشاريع التي تستمر وتنموّ في السوق؟
وفي الجهة المقابلة، حيث لا تسقط المشاريع، بل تتماسك، تظهر نماذج مختلفة لمشاريع استطاعت أن تستمر في السوق، لا لأنها بدأت بقوة، ولا لأنها استمرت فحسب، بل لأنها أدركت أن البقاء لا يُدار بالحماس.... بل بالوعي، ولعل من أبرز هذه المرتكزات التي تقوم عليها المشاريع الناجحة، كما تؤكده الدراسات الحديثة في الإدارة الإستراتيجية.
أولا ً: وعيها بطبيعة السوق بوصفه كياناً متغيّراً لا يثبت على حال، حيث لا تنخدع بنجاحات الأمس، ولا تتعامل معها كضمان للمستقبل، بل كخبرة قابلة للمراجعة والتجاوز، فهي، تُراقب، وتستمع، وتراجع، وتعدل مسارها كلما دعت الحاجة
ثانياً: مرونتها الاستراتيجية: فهي لا تتقيد بنموذج عمل واحد، ولا تقدّس طريقة واحدة، بل تعيد تشكيل نفسها مع كل مرحلة، وتفهم أن الثبات في عالم متغيّر... شكل من أشكال التراجع
ثالثاً: نضجها في إدارة الموارد: فهي تعرف أين تضع جهدها، وأين تنفق وقتها ومالها، فلا تشتت نفسها في كل اتجاه، بل تركّز على ما يصنع القيمة الحقيقية للعميل، وتجربته، واستمرارية علاقته بالمشروع، فلا تعيش على نجاح قديم، ولا تتكي على تجربة ٍ سابقة، بل تنظر في كل مرحلة إلى نفسها وكأنها تبدأ من جديد.. ولكن بخبرةٍ أكبر، ووعيٍ أعمق، وهذا ما تُطلق عليه أدبيات الإدارة الحديثة مفهوم ”رشاقة المشاريع“
فالرشاقة ليست سرعة الحركة، ولا كثرة القرارات، ولا الاندفاعات غير المحسوبة، بل هي وعيُ متجدد بالواقع، واستجابة ذكية له، وإعادة تشكيل مستمرة للذات دون أن تفقد بوصلتها
ولهذا، فإن المشروع الرشيق الذي لا يقع في الفجوة الأولى، لأنه لا ينشغل بما ينتجه بقدر ما ينشغل بما يحتاجه السوق، ولا يقع في الفجوة الثانية، لأنه لا يتوسع إلا بقدر ما ينضج، ولا يقع في الفجوة الثالثة، لأنه لا يسمح للنجاح أن يتحول إلى حالة سكون أو حالة ”اكتفاء زائف“ بل يظل في حالة يقظة دائمة، وهذا ما أشار إليه عالم الإدارة بيتر دراكر حين قال ”ليست المشكلة في التغيير... بل في أن نظل نفكر بعقلية الأمس“.
نماذج تطبيقية
شركة أمازون: التي بدأت كمكتبة إلكترونية، ثم تحولت إلى منصة تجارة شاملة، ثم إلى بنية تحتية رقمية عبر خدمات الحوسبة السحابية، فلم تكن أسيرة بدايتها، بل كانت تعيد تعريف نفسها باستمرار وفق احتياجات السوق
شركة آبل: التي لم تبقى مجرد شركة حواسيب اليكترونية، بل أعادت تشكيل مفهوم المنتج التقني، من iPod»» إلى iPhone إلى منظومة متكاملة من الخدمات
ومن هنا، يمكننا أن نقول إن المشاريع التي تختفي، هي تلك التي تجمّدت عند لحظة البداية، والمشاريع التي تتوقف عن التقدّم، هي تلك التي اكتفت بما حققته، أما المشاريع التي تبقى وتكبر... فهي التي تفهم أن البقاء ليس حالة، بل عملية مستمرة من الفهم، والتكيّف، وإعادة الاكتشاف، تماماً كالشجرة الحيّة، ثباتها لا يعني جمودها، لأنها كلما رسّخت جذورها في الأرض، أخرجت أوراقاً جديدة نحو السماء.
الخاتمة:
إن المشروع الذي يستمر وينموّ في السوق ليس هو الأسرع انطلاقاً، ولا الأكثر ضجيجاً، ولا حتى الأكثر نجاحاً في بداياته، بل هو ذلك المشروع الذي امتلك شجاعة المراجعة، ومرونة التغيير، ووعي القراءة والتحليل المستمرة للسوق فالبقاء ليس امتداداً للنجاح... بل اختبارٌ متجدد له.
ونصيحتي لكلِ من يسعى لبناء مشروعٍٍ يبقى ويكبر: لا تكتفِ بالحضور في السوق، بل كن حاضراً بفهمك، يقظاً بقراءاتك، جريئاً بقرارتك، متجدداً بأفكارك، منضبطاً بنظامك... فالمشاريع لا تخرج من السوق فقط حين تفشل، بل حين تتوقف عن التغيّر والتطوّير والتحسين.









