حين نحكم قبل أن نفهم

كان بيتُ العم جاسم مليئًا بالغبار…

الأثاث يعلوه التعب، والزوايا تزدحم بالفوضى، حتى أصبح يشعر أن المنزل يحتاج إلى من يعيد إليه الحياة.

قال له صديقه حسن يومًا:

— لماذا لا تستأجر عاملًا يساعدك في تنظيف البيت؟

أجابه العم جاسم بتحفّظ:

— أخاف أن يسرق شيئًا من البيت.

ابتسم حسن وقال بهدوء:

— إذًا عليك أن تتحمّل تعب تنظيفه بنفسك… فالشكّ الدائم متعب أيضًا.

مرت الأيام…

وازدادت مسؤوليات العم جاسم، حتى أصبح يعود إلى منزله منهكًا لا يجد وقتًا كافيًا للترتيب والتنظيف.

وفي أحد الأيام، اتصل بحسن وقال له:

— هل تعرف عاملًا أمينًا ينظف البيت؟ لقد تعبت… والعمل أصبح مرهقًا وليس لدي وقت كافٍ.

أجابه حسن بثقة:

— نعم، أعرف عاملًا يعمل عندي منذ سنوات، رجل أمين ويعمل بإخلاص.

اتفقا أن يأتي العامل في صباح اليوم التالي.

وحين حضر، أعطاه العم جاسم مواد التنظيف والمكنسة، ثم تركه يبدأ العمل.

بعد ربع ساعة فقط…

خرج العم جاسم ليتفقد البيت، فوجد بعض البقع لم تجف بعد، ومواد التنظيف ما تزال كما هي تقريبًا.

بحث عن العامل، فوجده خلف البيت لا يزال ينظف ببطء.

اشتعل غضبه، وصرخ فيه بعصبية:

— كيف لا تنظف جيدًا؟! إلى الآن لم تنتهِ!

رفع العامل رأسه إليه بنظرةٍ حزينة، وكأنه يريد أن يعتذر أو يشرح شيئًا… لكن الكلمات بقيت عالقة في صدره.

أخرج العم جاسم أجرة العامل عن ذلك اليوم، وقال له بغضب:

— خذها… واخرج، لا أريدك أن تكمل العمل. أنت لا تنظف جيدًا.

أخفض العامل رأسه بصمت، وخرج منكسر الخاطر.

صعد دراجته وغادر البيت ببطء، بينما كانت ملامح الحزن ترتسم على وجهه المتعب.

وفي المساء، التقى العم جاسم بصديقه حسن، وأخذ يعاتبه على العامل المهمل — كما ظن.

نظر إليه حسن بأسى وقال:

— لا تكن ظالمًا يا جاسم… ولا تتسرع في الحكم على الناس.

هذا العامل يعمل في بيتي منذ خمس سنوات، ولم أرَ منه إلا الأمانة والإخلاص.

ثم صمت قليلًا قبل أن يكمل بصوتٍ حزين:

— الأسبوع الماضي توفيت زوجته… وكان يريد السفر لبلده لوداعها، لكنه لم يحصل على تأشيرة خروج، فبقي هنا مكسور القلب، يحاول أن يعمل رغم ألمه.

ساد الصمت…

وشعر العم جاسم أن كلماته القاسية عادت إليه كسهامٍ تؤلمه.

تذكّر نظرة العامل الحزينة، وصمته، وانكسار خطواته وهو يغادر…

وأدرك متأخرًا أن بعض البشر لا يثقلهم العمل، بل تثقلهم الأحزان التي لا يراها أحد.

ومنذ تلك الليلة…

بقي العم جاسم متألمًا مما فعله مع ذلك العامل، لأنه حكم عليه قبل أن يعرف حكايته.

*همسة اجتماعية: *

ليس كلُّ تقصيرٍ سببه الإهمال…

فبعض الناس يحملون في داخلهم أحزانًا ومعاركَ صامتة لا يراها أحد.

لذلك، قبل أن نعاتب أو نحكم أو نقسو بكلماتنا…

لنمنح الآخرين مساحةً من الرحمة،

فالكلمة الطيبة قد تُخفف ألمًا خفيًّا،

والتسرّع في الحكم قد يجرح قلبًا مثقلًا بالوجع.

أخصائي التغذية العلاجية